ابن قيم الجوزية
182
الروح
وأيضا فحديث أبي هريرة رضي اللّه عنه المتقدم وهو قوله : « إن مما يلحق الميت من عمله وحسناته بعد موته علما نشره » . فالحديث يدل على أنه إنما ينتفع بما كان قد تسبب فيه . وكذلك حديث أنس يرفعه : « سبع يجري على العبد أجرهم وهو في قبره بعد موته : من علّم علما ، أو أكرى نهرا ، أو حفر بئرا ، أو غرس نخلا ، أو بنى مسجدا ، أو ورث مصحفا ، أو ترك ولدا صالحا يستغفر له بعد موته » . وهذا يدل على أن ما عدا ذلك لا يحصل له منه ثواب وإلا لم يكن لحصر معنى . قالوا : والإهداء حوالة ، والحوالة إنما تكون بحق لازم ، والأعمال لا توجب الثواب ، وإنما هو مجرد تفضل اللّه وإحسانه ، فكيف يحيل العبد على مجرد الفضل الذي لا يجب على اللّه ، بل إن شاء آتاه وإن لم يشأ لم يؤته ، وهو نظير حوالة الفقير على من يرجو أن يتصدق عليه ، ومثل هذا لا يصح إهداؤه وهبته ، كصلة ترجى من ملك لا يتحقق حصولها . قالوا : وأيضا فالإيثار بأسباب الثواب مكروه ، وهو الإيثار بالقرب ، فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو غاية ، فإذا كره الإيثار بالوسيلة فالغاية أولى وأحرى . وكذلك كره الإمام أحمد التأخر عن الصف الأول ، وإيثار القبر به ، لما فيه من الرغبة عن سبب الثواب ، قال أحمد في رواية حنبل : وقد سئل عن الرجل يتأخر عن الصف الأول ويقدم أباه في موضعه قال : ما يعجبني ، يقدر أن يبر أباه بغير هذا . ( قالوا ) وأيضا لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ نقل الثواب والإهداء إلى الحي . وأيضا لو ساغ ذلك لساغ لهذا نصف الثواب وربعه وقيراط منه . وأيضا لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه ، وقد قلتم : إنه لا بد
--> - في معناهما من عمل الأبدان لا تجري فيها النيابة ، وقد يستدل به من يذهب إلى أن من حج عن ميت فإن الحج في الحقيقة يكون للحاج دون المحجوج عنه ، وإنما يلحقه الدعاء ويكون له الأجر في المال الذي أعطي إن كان حج عنه بمال .